عبد القاهر الجرجاني
4
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية )
ظهر ضعف اللغة في القرن الخامس ، وكانت في ريعان شبابها ، وأوج عزها وشرفها ، وكان أول مرض ألم بها الوقوف عند ظواهر قوانين النحو ، ومدلول الألفاظ المفردة ، والجمل المركبة ، والانصراف عن معاني الأساليب ، ومغازي التركيب ، وعدم الاحتفال بتصريف القول ومناحيه ، وضروب التجوز والكناية فيه - وهذا ما بعث عزيمة الشيخ عبد القاهر الجرجاني إمام علوم اللغة في عصره إلى تدوين علم البلاغة ، ووضع قوانين للمعاني والبيان ، كما وضعت قوانين النحو عند ظهور الخطأ في الإعراب . فوضع هذا الكتاب في البيان ، ومن فاتحته يتنسم القارئ أن دولة الألفاظ كانت قد تحكمت في عصره ، واستبدت على المعاني ، وأنه يحاول بكتابه تأييد المعاني ونصرها ، وتعزيز جانبها وشد أزرها . كتب قبل عبد القاهر في مسائل من البيان بعض البلغاء كالجاحظ وابن دريد وقدامة الكاتب ، ولكنهم لم يبلغوا فيما بنوه أن جعلوه فنا مرفوع القواعد مفتح الأبواب كما فعل عبد القاهر من بعدهم فهو واضع علم البلاغة كما صرح به بعض علمائها ، وإن لم يذكر له هذه المنقبة المؤرخون الذين رأينا ترجمته في كتبهم ، حتى أن ابن خلدون الذي تصدى دون القوم للإلمام بتاريخ الفنون أهمل ذكره ، وزعم أن الذي هذب الفن بعد أولئك الذين كتبوا في مسائل متفرقة منه هو السكاكي ، وما كان السكاكي إلا عيالا على عبد القاهر ، تلا تلوه ، وأخذ عنه ، مع المخالفة في شيء من الترتيب والتبويب ، ولكنه لم يسلم من التكلف في بعض عباراته ، والتعقيد في بعض منازعه ، فإذا جاز لنا أن نقول : إنه فاق لتأخره بالترتيب المعلوم ، وبما حرره من الحدود والرسوم . فإننا لا ننسى من فضل المتقدم سلامة عبارته ، وصفاء ديباجته ، وغوصه على أسرار الكلام ، ووضع دررها في أبدع نظام . كان السكاكي وسطا بين عبد القاهر الذي جمع في البلاغة بين العلم والعمل وأضرابه من البلغاء العاملين ، وبين المتكلفين من المتأخرين الذين سلكوا بالبيان مسلك العلوم النظرية ، وفسروا اصطلاحاته كما يفسرون المفردات اللغوية ، ثم تنافسوا في الاختصار والإيجاز ، حتى صارت كتب البيان أشبه بالمعميات والألغاز ، فضاعت حدود بتلك الحدود . ودرست رسومه بهاتيك الرسوم " 1 " ، وكان من أثر فساد ذوق
--> ( 1 ) توسط الشيخ هنا في حقّ السكاكي وجعله قد سلك مسلكا وسطا بين مسلك عبد القاهر والمتأخرين الذين غالوا في الطريقة التي سنها لهم السكاكي في تعقيد البلاغة بالمبالغة في تعقيدها . انظر كلامنا بالتفصيل على منهج السكاكي في كتابه مفتاح العلوم بتحقيقنا ( ط ) ( دار الكتب العلمية - بيروت ) .